محمد أبو زهرة
42
المعجزة الكبرى القرآن
الشديد ، فمثلا في سورة الحاقة لا يعمد المرتل المدرك إلى اللين في الوقوف على التاء ، لأنه لا يتناسب مع موضوع التهديد الذي اشتملت عليه السورة كلها ، وقد نبهنا بعض القراء الذي كان يختار اللين ، فتنبه ، وما عاود أمامنا ما كان يفعل . وأمر ثالث في تعدد القراءات فوق ما فيها من مراعاة مقتضى المعاني ، وفوق ما فيها من ترتيل هو موسيقى القرآن ، إن صح لنا هذا التعبير مع أن القرآن في مقام أعلى وأسمى ، ذلك الأمر أن تنوع القراءات فيه تسهيل على القارئ العربي ، فقد تصعب عليه قراءة ، إذ لا تطاوعها طبيعته أو سليقته اللغوية . وهناك أمر رابع في تنوع القراءات ، وهو أن يكون مجموع القراءتين - وكلتاهما قرآن - دالا على معنيين في لفظ واحد متلاقيين غير متضادين ، فمثلا قراءة : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] بضم الفاء يدل على أنه من العرب ، والعرب قومه ، وذوو رحمه القريبة ، أو البعيدة ، وإذا اجتمعت معها القراءة بفتح الفاء كانت الآية دالة بهذه القراءة على أنه من أوسط القوم وأعلاهم ، فالقراءتان والكلمة واحدة تدلان بالنص على معنيين غير متضادين ، وكلاهما صحيح صادق ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم كان من العرب ، وكان من أنفسهم ترتبط مشاعره بمشاعرهم يحس بما يحسون ، وهو مندمج فيهم ، وقريب منهم ، ثم كان مع هذا القرب النفسي من أعلى العرب منزلة ، وأكرمهم ، وكذلك يكون الأنبياء من أوساط الأقوام الذي يتسامون عن سفساف الأمور ، ويتجهون إلى معاليها . وقد يقول قائل أن قراءة أنفسكم بفتح الفاء تدل على الأمرين ، فهي تدل على أنه من أعلى قريش وسطا ، وتدل على أنه منهم ، ونقول في الجواب عن ذلك أنها تدل بالنص على الشرف ، وأنه من أعلى القوم ، ولا يفيد بالقصد والذات أنه من نفس العرب ، ومن ذاتيتهم ، وأنه يحس بإحساسهم ، لا تدل قراءة الفتح على ذلك النص ، وبيان امتزاج نفسه عليه السلام بأنفسهم ، وإن هذا لا بد منه ليشعر بشعورهم ، ويشاركهم بوجدانه وإحساسه ، ويجذبهم إليه بقوة الامتزاج النفسي ، كما يعينهم بالدليل ، وبالحق في ذاته ، وبما أتاه اللّه تعالى من بينات باهرات . وقد يكون اختلاف القراءة فيه كمال التوضيح البياني من غير قصور في إحداهما ، ولكن بالقراءتين يكون البيان كاملا ، مثل قراءة قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ الحجرات : 6 ] فإن قوله تعالى : فَتَبَيَّنُوا تقرأ ( فتثبتوا ) ولا شك أن المعنى في القراءتين هو ألا يؤخذ الساعي بالنميمة أو الساعي بالأذى ، أو المفسد بين الناس ، لا يصدق قوله ابتداء ، وألا ينساق وراء ما يثيره القول من عاطفة جامحة أحيانا قد تدفع إلى الشر عن غير بينة ، فاللّه تعالت آياته ينبه إلى أنه لا